هكذا كانت تحب ! حول المرأة وحقوقها

لم تكن المرأة في الماضي بحاجة لمن يدافع عنها، فهي لم تكن تشعر يوما أنها في موقع المحتاج إلى دفاع، كانت ترضى بحياتها وتسعد بها، وتقوم فيها بالدور الفطري المنوط بها، وكانت عجلة الحياة تسير بانتظام ودون صياح، كل ذلك في حدود الكيان الذي تنتمي إليه، كيان الأسرة، أسرة الأب والعشيرة قبل الزواج، وأسرة الزوج وعشيرته بعد الزواج، حيث لم يشهد تاريخنا القديم حتى في عصر الجاهلية امرأة خرجت عن هذين الكيانين، دون أن يكون ذلك مستنكرا من الناس مستهجنا، أو دون عقاب تناله.

ومن هنا، فإن البحث في حقوق للرجل، وأخرى للمرأة، مسألة تهدف إلى تمزيق الأسرة ككيان من عدة أفراد إلى كيانات تؤدي بالتالي إلى تحطيم البنية الاجتماعية ذات الأبعاد الحضارية والنفسية المتميزة، وخلق توجه جديد تستوي فيه المرأة اليابانية والهندية والبرازيلية، المرأة المسلمة والكتابية والوثنية والبوذية كخطوة على طريق \”عالمية\” لا يمكن تحقيقها من قبل بني البشر لأن هذه الأمور من شأنه تعالى، وليست من شؤون العباد الذين خلقهم الله لعبادته، وحسب، وليس عبثا، وخلقهم ولم يتركهم هملا، بل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وسيحاسبهم بعد أن يميتهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فذلك ما كسبت أيديهم.

إن كثيرا ممن يدافعون عن حقوق المرأة، وأكثرهم من الرجال، لا يدركون أنه لا خلل ولا عيب في الفرع إن كان فوق الجذع، والغصن من فوقه، ولا خلل ولا عيب إن كانت الجذور في باطن الأرض، ولا ميزة لطائر في الفضاء على زاحف فوق الأرض أو سابح في البحر، لأن كلا مختلف عن الآخر في ذاته وطبيعته ودوره.

وفي الماضي عاشت الأسرة العربية المسلمة حياة هانئة هادئة، لم يشعر أحد من أطرافها أنه سالب حقا لآخر أو مسلوبه، ولكن الجميع تحت سقف البيت الواحد كخلية النحل، أو كالإنسان إذ لا فضل لليد على الفم وإن كانت تلقمه، ولا فضل للفم على اليد إن كان يعبر عن ما تحس به.

وإن كان مثل المسلمين (ككل) في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، فما بالك بمثل الأسرة الواحدة. ولكن تمزق المسلمين اليوم، وتنازعهم، انعكس على الأسرة، وبنفس النسبة من الشدة، حيث تمزقت الأسرة إربا وشيعا، في أفكارها، ومناهج حياة أفرادها، وإذا كانت المهنة مما توارثه الأقدمون أبا عن جد، وكانت تقرّب ما بين طبائع المتوارثين، فإنها اليوم تختلف في الأسرة الواحدة على وجهين وأكثر.

ولقد نجحت المرأة المسلمة في تحقيق كثير من الإنجازات في مجالات مختلفة كانت فيها كما كان الرجل، وربما فاقته في بعض الأمور التي عرف أنها له في مكان وزمان، كالإفتاء، ومن اللائي أُجزن بالإفتاء والتدريس عائشة بنت يوسف الباعونية، وأين؟ في دمشق والقاهرة، وألفت من الكتب عديدا وطارحت الشعراء وماتنتهم.

ولن نعرض هنا للعربيات المسلمات اللائي برزن في قرض الشعر، من الخنساء، وتماضر أخت ذي الرمة، فجنوب بنت العجلان، وضباعة وصفية ابنتا أبي مسافع، وجداية بنت خالد، وأم الهيثم، وهند بنت النعمان بن بشير الأنصارية، وميسون الكلبية، وليلى الأخيلية، وغيرهن كثير وكثير جدا.

وقد بلغ من فصاحة بعضهن أن وُضعت في ذلك كتب تخصهن، كبلاغة النساء لطيفور. وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن المعلي الأزدي في كتاب التراقيص، أن كل امرأة من العرب رقصت ابنها وهو صغير بشعرها، كما ذكر الصولي في أشعار خلفاء بني العباس بعض نسائهم ممن أثر عنهن التفوق في العلم والمعرفة وأورد ابن النديم بابا في الفهرست خصصه للنساء.

كما عمل ابن المغربي كتابا ضمنه كثيرا من أخبار النساء اللواتي برزن في مجال البلاغة والفصاحة والشعر ونحو ذلك من الأمور، وهو كتاب عنوانه المراقصات، كما صنع أبو الفرج الأصبهاني كتابا جمع فيه من أخبار النساء كثيرا، استنادا لما ورد في كتاب اتفاق المباني لابن بنين. وما معجم أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام لعمر رضا كحالة، الذي جمع فيه ما انتهى لعلمه من أخبارهن، إلا دليل على كثرة النساء اللواتي اشتهرن في المجالات المختلفة، إلى جانب قيامهن بدورهن في أسرهن، دون أن يطالبن بحق، ودون أن تثار مشاكل، لأن الأمور كانت تسير وفقا لناموس الطبيعة، وفي ظل الرعاية الإسلامية وفي حدود الإسلام.

وقد نورد هنا نبذا من أخبارهن لنرى الفرق بين الحاضر والماضي.

* لما قدم عدي بن حاتم على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحادثه فقال: يا رسول الله إن فينا أشعر الناس وأسخى الناس وأفرس الناس. فقال: سمّهم، قال: أما أشعر الناس فامرؤ القيس بن حجر، وأما أسخى الناس فحاتم بن سعد ـ يعني أباه ـ وأما أفرس الناس فعمرو بن معد يكرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: \”ليس كما قلت يا عدي، أما أشعر الناس فالخنساء بنت عمرو، وأما أسخى الناس فمحمد، وأما أفرس الناس فعلي بن أبي طالب\” صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وذكر ابن المعتز خنساء، جارية هشام المكفوف، وقال: \” كانت بارعة الأدب فصيحة مفوهة شاعرة عالمة بالأخبار والأسمار، ولم يقاومها أحد في الكلام، كانت من أعلم الناس بالكلام، وكان أصحاب الكلام يجتمعون عندها ويتناظرون، فلا يختلفون في شيء إلا تحاكموا فيه إليها.

ومنهن عنان، قال عمرو بن عبد الله الكوفي: شهدتها وقد اجتمع عندها أدباءهم وشعراؤهم، وأصحاب النحو والغريب، وأهل الأخبار والأنساب، فما جرى في ذلك المجلس من هذه الصنوف إلا وجدتها أكثر منهم وأحفظ…..وقد ذكرت في الشرق والغرب عند الملوك والأشراف، وتحدثوا عندهم بنوادرها وشعرها، فكُتب من شعرها ونوادرها في البلدان ما لا يحصى.

ومنهن عائشة بنت عبد الله العثمانية المكية، وقد بلغ من أمرها أن خرجت على الخلافة العباسية، وتبعها في ذلك كثيرون، وأوقعت في بني العباس مرارا، وكانت من أنبل النساء وأعفهن، ولم يكن في زمانها أحد أشعر ولا أحسن أدبا ولا أكثر علما منها، وكانت تَصُفُّ قدميها من أول الليل إلى الصباح تصلي، وربما جمعت في الليلة الواحدة القرآن، ولم ير أحد إلى اليوم (600هـ) أشد اجتهادا منها.

 قال أبو الحسن علي بن عيسى: حضرت ليلة مع جماعة من إخواني، فأنشد أحدهم لامرأة فاستحسناه، وتحرر بيننا أن نعمُر ليلتنا بأشعار النساء، فلم ننشد تلك الليلة إلا شعر امرأة.

قال ابن بنين، وقد ذكر عددا من النساء: وهذا يدل على كثرتهن ووفور عدتهن، وتعذر حصرهن وعدم الإحاطة بشعرهن، وإنما عتمدنا في هذا الفصل إلى شائعه، وإيراد اليسير من مشهوره وذائعه.

ومن النساء من روين الحديث الشريف، أو حدثن به، ومن هؤلاء عز النساء بنت محمد (قبل85هـ) سمع منها محمد الواني الجزء الأول من المساواة مما ساوى القاضي التنوفي مسلما والبخاري، وجزءا فيه ستون حديثا من سنن أبي داود. ومنهن عفاف بنت أحمد (ق هـ6) وغيرهما كثير جدا.

** وبعد، فهذا قليل من كثير من الشواهد والأمثلة، وكلها تؤكد أن المرأة العربية المسلمة، كانت، ومنهن من لا تزال، تقوم بدورها الفطري في انسجام تام مع نفسها وأسرتها ومجتمعها، وربما تفوقت في بعض العلوم والفنون، وساوت الرجل أو بذَّته… كل ذلك دون أن نسمع أن هناك مشكلة قائمة، أو كانت دون أن يشعر أي فرد من أفراد الأسرة باضطهاد مزعوم، أو اهتضام لحقوق من قبل فرد آخر من أسرته.

 واليوم تتنازع المرأةَ العربية المسلمة تيارات صاعدة ونازلة، فمرة باسم العصرية والتحرر، وأخرى باسم المساواة، وأخرى باسم الحقوق، فاستجاب كثير من النساء لهذه التيارات، وتخلخلت الأسرة.

ومرد ذلك إلى الجهل الشديد، ليس بمعدل تساقط الأمطار بإيرلندة، ولا بفن الطبخ، ولا بالرياضيات الحديثة، أو حتى بالطب والصيدلة، ولكن بما هو أصلي من المعارف والعلوم التي تعمل على بلورة الشخصية العربية المسلمة؛ المفردة والأسرة والمجتمع، تلك الشخصية التي يجب أن تكون متميزة، موجبة، مشعة.

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *