ما بين مطرقة العقل وسندان القلب

خلق الله الإنسان وميزه بالعقل الذي به يدرك محدثات وحقائق الأشياء، وأكرمه بأن جعله عاقلاً ‏مفكّراً، فالعقل هو القوة التي تساعده على استنباط الترابطات وحل المشكلات بصورة عقلانية، ‏وأنعم عليه بقلب ينبض بين ضلوعه ليقيم شعائر الحياة.

العقل والقلب متضادان متكاملان، فالعقل امتاز بالصلابة والقوة، إذ يرتكز دائماً على المنطق ‏والاستدلال، ويحكم في مختلف القضايا وفق معايير جازمة، بينما اختص القلب باللين واليسر، ‏وكلاهما لا غنى للإنسان وبنائه الروحي عنهما، فصلابة العقل تلطفها رقة القلب، ولين القلب ‏يهذبه تدبير العقل.‏

يعيش الإنسان في حياته بمحركات من مقتضى حكمته وفيض مشاعره، أي أن عقله وقلبه هما ‏اللذان يحددان سلوكه ويستأثران في طبيعة مساره وفعالياته. قد يختلف العقل عن القلب تبعاً ‏لانقسامه الذاتي ومن ثم الخارجي، حيث أن المتعارف عليه بأن العقل يرتبط بالماديات والعاطفة ‏بالمشاعر. ‏‎

وفيما يتعلق بمشاعر الحب والتقدير؛ فلابدّ من استخدام العقل أولاً للاقتناع بالفكرة والهدف، بمعنى ‏أن القلب يحتاج إلى ما يستوثقه بأن الشخص الذي حاز على مشاعر الإعجاب والاهتمام يستحق ‏ذلك، وإذا كان العقل هو وقود العلم والمعرفة؛ فإن القلب هو صندوق المشاعر لسكينة الإنسان ‏ولصالح استقراره النفسي والفكري والمادي‎.‎

التوازن الحميدي بين القلب والعقل

التفضيل بين اختيارات العقل والقلب قد يكون متعذراً في كثير من الأحيان، ويزداد الطين بلّة إذا ‏كانت المواقف تستدعي إفتاءً في التو واللحظة، فقد يكون هناك أشخاص نظامهم الفكري يطفح ‏على نظامهم العاطفي، وآخرين نظامهم العاطفي يطفح على الفكري، وهذا هو جوهر الفرق بين ‏الفكريين والعاطفيين، إلا أن هناك تداخل كبير في أعمال القلب والعقل، وإن كان التفاوت كبير ‏بينهما، فكلّ منهما يكمّل الآخر، فالعقل يختار ويدرك الموقف، فهو مناط التكليف، ثمّ يقدم الدليل، ‏فيستفتي القلب، فيقوم القلب بالنظر إليه من زاويته الخاصّة، ثمّ بعد ذلك تصدر الأحكام قولاً ‏وفعلاً.‏

العقل والقلب من منظور القرآن الكريم

إن أسلوب الجمع التناغمي والانسجام بين العقل والقلب، وقيام القلب والعقل بتأدية وظائفهما معاً ‏في آن واحد، وعدم الاستسلام لأحدهما بطابع الأنانية، والانجراف لأهواء ذاتية مفتقرة الروح ‏الإنسانية، يجعل من حياتنا صورة متكاملة بطريقة متوازنة، ويضمن لنا السير نحو الطريق السديد ‏بعيداً عن المؤثرات الخارجية.‏‏ لقد عني الإسلام في بناء الموازنة في الحياة بين العقل والقلب، وقد ظهر ذلك في وصف الله ‏تبارك وتعالى المؤمنين في سورة الفتح في آية رقم 29، قال الله تعالى في كتابه العزيز الكريم: ” ‏أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ”، وهذه من صفات الأضداد، أن يكون المؤمن شديداً عنيفاً على ‏الكفار، رحيماً براً بالأخيار، فالأولى من العقل والثانية من القلب.‏

استوقفتني أيضاً آية رقم 90 من سورة النحل، قال الله تعالى في كتابه العزيز الكريم: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ ‏بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ”، جاء الأمر الإلهي جلياً في التوازن والتوافق بين العدل والإحسان ، فالعدل هو ‏الميزان العقلي ومقتضى الحكمة، والإحسان هو الرحمة القلبية وفيض العاطفة.‏

وفي دلالة أخرى في آية رقم 46 من سورة الحج، قال الله تعالى في كتابه العزيز الكريم: ” أَفَلَمْ ‏يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ ‏تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”، جعل الله محل العقل في القلب، كما جعل محل السمع في ‏الأذن، فلولا أن مستقر العقل في القلب، ما ذكر الله عز وجل أن الأذن هي مستقر السمع، وهذا ‏يدلل لنا أن القلب هو محل الإدراك والتمييز، وأن بصلاحه يصلح البدن، ويصحصح الحق ‏ويظهر، وبِسَوادها يظلم الإنسان ويجهل، فقلب الإنسان له دور في التعقّل والإدراك والمنطق، ‏ولبياضه دوراً في نجاة الإنسان من الشهوات والشبهات، والوصول بالطاعات إلى أعلى الجنات، ‏وجعل الله تعالى أيضاً العقل الذي يميز بين الحق والباطل، وبين المعروف والمنكر، وبين الخير ‏والشر، في القلب.‏

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

آخر المواضيع

مشاركات