متى تنتهي ملحمة الغربة

على الرغم من وصف عصرنا بأنَّه عصر التقدم العلمي والبحث عن الوسائل التي تعنى بيئة الإنسان ‏وتضمن له الرخاء. فإنّه يتميز بانتشار ظاهرة سيطرت على ناس هذا الزمان إلاَّ وهي الاغتراب. حيث أنَّ ‏الاغتراب خاصية مميزة للإنسان، قديمة ومتأصلة في وجوده، وإنَّ اغتراب الإنسان هو قدرته على ‏الانفصال عن وجوده الإنساني.‏

وقد اعتبر الاغتراب ظاهرة إنسانية متعددة الأبعاد، تزداد حدته ومجال انتشاره كلما توافرت العوامل ‏والأسباب المهيئة للشعور بالاغتراب نفسياً واجتماعياً ووجودياً.‏

إنَّ الفرد حين يغترب من جميع النواحي. نفسياً واجتماعياً وعضوياً، وهو لا يملك سوى ذاته يتمركز ‏عليها ويلتصق بها، وإنه يعجز عن استثمار امكاناته وقدراته ومواهبه ولا يستطيع أن يحقق ذاته.‏

لذلك يمكن اعتبار الاغتراب قضية بالغة الأهمية لكونها أزمة من أزمات الإنسان المعاصر، وهي تكثر ‏لدى شبابنا الذين يعانون من عدم الاستقرار والضياع والقلق، ويتميز بقلة تفاؤله تجاه تحقيق طموحاته.‏

أنا تسنيم صبيح، أعايش تجربة الإغتراب بجميع أنواعه وأشكاله، كنت أقيم في الأمارات العربية المتحدة  ‏وقد اضطررت أن آتي إلى فلسطين لأكمل مسيرتي الجامعية في جامعة النجاح الوطنية/ نابلس .‏

ظاهرة الإغتراب قد تعبر عن أزمة الإنسان المعاصر ومعاناته وصراعاته الناتجة عن تلك الفجوة الكبيرة ‏بين تقدم مادي يسير بمعدل هائل السرعة، وتقدم قيمي ومعنوي يسير بمعدل بطيء الأمر الذي أدى ‏بالإنسان إلى الشعور بعدم الأمن والطمأنينة حيال واقع الحياة في هذا العصر، بل وربما النظر إلى هذه ‏الحياة وكأنها غريبة عنه، أو بمعنى آخر الشعور بعدم الانتماء إليها، ولعل ذلك يبرر انتشار استخدام ‏مفهوم الاغتراب في الموضوعات التي تعالج مشكلات الإنسان المعاصر، بل أصبح من المألوف في ‏الوقت الراهن – بصورة متزايدة أن نسمع عن تفسير الحياة في عصرنا الحالي من خلال مفهوم ‏الاغتراب. وعالم اليوم يتعرض للعديد من المتغيرات التي كثيراً ما تعصف بمظاهر الحياة اليومية للكبار ‏والصغار على حد سواء.‏

يتسم العصر الذي نعيشه الآن بالسباق المحموم بين البشر، كما تنتشر الحروب الطاحنة، والصراعات ‏السياسية، والمشكلات الاقتصادية وشيوع المادية، وقصور الجوانب الوجدانية، وإهمال العلاقات ‏الشخصية والإسراف في الفردية والتنافس وتدهور القيم الراقية، وتلوث البيئة وغلاء الأسعار.‏

والمجتمعات العربية عامة ودولة الإمارات العربية المتحدة خاصة تمر بمرحلة تطور سريع في سعيها ‏لأن تلحق بركب التقدم. ويمثل الاغتراب حالة نفسية يعيشها الإنسان نتيجة للظروف التي يمر بها ، ويعد ‏من المشكلات التي يجب دراستها والحد من انتشارها لما لها من آثار سلبية على الفرد ومشاركته في تنمية ‏بلده وتطوره.‏

نحن في جامعة النجاح الوطنية لدينا الكثير من الطلاب الذين اغتربوا عن دولهم التي عاشوا فيها ربما منذ ‏نعومة أظفارهم والتي زرعت فيهم العديد من الذكريات والرغبات والأحلام والأفراح والأحزان .. فمن ‏الصعب أن يتأقلم الطالب المغترب من العالم الذي هو مضطر ان يشابهه ويشابه أناسه ليبقى على قيد ‏العيش وان تتبقى لديه من الأحلام ما يحققها وإن كانت صعبة المنال وتحتاج لبذل الجهد والعطاء وتحمل ‏الصعاب النفسية والإجتماعية والدراسية مهما كانت.‏

تسير حياتك بشكل طبيعي حتى تجرب ” الغربة ” ، وهنا المنعطف الذي تتغير فيه حياتك. تغترب ‏مشاعرك وأحاسيسك حتى أطباعك القديمة تصبح غريبة مع الوقت لأن من اغتربت فيهم لم يتقبلو هذه ‏الأطباع بصفتها لا تلائم منحى حياتهم. على سبيل المثال  أنا كفتاة أعيش في دولة متقدمة وليس لدينا هذا ‏التقيّد والتعقيد إختلفت على ديباجة الإعتياد على عادات وتقاليد أهل القرية ، كفر راعي/ جنين . شعور ‏مضطرب لا يحسّه إلا مغترب .. تكره الغربة أشد من كره يتيم لقاتل أبيه والمشكلة الغريبة أنّه حتى إذا ‏عدت إلى بلدك اشتقت لتلك الغربة!‏

فما أن تبدأ رحلة الغربة لا يصبح لديك وطن واحد فأنت تصنيف ثانٍ أو ثالث، وحين تغترب لا تحاول أن ‏تفضفض لصاحبك كل مشاعر الشوق أو الحنين أو الأسرار الفاضحه مهما أحسست في ملامحه سمات ‏الصديق/ة المخلص/ة . قد تفاجأ بعد عودتك إلى بلدك الأم أن صورته تغيرت وأن بهاءه قد ذهب فلا ‏تعجب.. ولا تظن أنه هو الذي تغيّر بل قلبك هو من تغير نتيجه ما خضته من عواصف نفسية عصيبة. ‏ربما تعود وتجد أن الغربة قد اقتاتت من قلبك الكثير فلا تحزن فوراء هذه التضحية توجد نعمة وهبة من ‏الله مدفونة في مكانٍ ما وستظهر لك بنفسها حين يحين وقتها المناسب فلا تفكر وترهق هذا القلب دعه ‏يكمل ما أتى لأجلة مضطراً لينتهي ويحمل معه أحلامه وطموحه ويعود.‏

سأضيف، أنه لا يوجد إنسان كامل الأوصاف لا يخطئ أو يرتكب المجازر النفسية بحق نفسه ولكن الغربة ‏مربّية من الطراز الأول ولكن ليس لديها إلا أسلوب تربوي واحد هو القسوة!‏

المشكلة أن المغترب يستغرق الكثير في أحلام اليقظة، بل وأحلام النوم كذلك ويحلم بكونه هاجر إلى مكانٍ ‏ما ليحظى بسعة في الرزق ويصل إلى مبتغاه، ويكون الإغتراب والسفر إلى أي مكان بمثابة السبيل ‏الوحيد لتحقيق الحلم المفقود. وبعدما يتحول الحلم إلى حقيقة تتعمق جذور المشكلة لتغوص في الأعماق. ‏فلا يجد المغترب القدرة على إتخاذ القرار بالعوده لوطنه برغم اشياقه له.‏

أمّا ما يلقاه المغترب من سوء معاملة في البلد التي اغترب إليها او التي سيستقر فيها لعدد معين من ‏السنوات فأمر معروف برغم قدره ومكانته سيجد نوعاً من العداء والكراهية إن لم تكن ظاهره فهي كامنة ‏تخفى في الانفس. هذا ما يجعل الصراع يزيد حدّه بين العودة والبقاء.‏

فماذا يفعل؟ هل يعود إلى وطنه ويتحمّل عبء المعيشة القاسية ومستوى المعيشة الغالي جداً؟ أم يبقى في ‏غربته ويتحمّل العنصرية والتميّيز والتعالي والكبرياء من جانب فئة ممن لا يقدرون قيمة الإنسان وما ‏يمتلكه من عقل وفكر وقدره على التغيير للإفضل!‏

رسالة مني إلى كل مغترب:‏

لقد اقتلعتكم الغربة من تراب الوطن وألقت بكم في متاهات بعيدة…. ‏

جعلتكم تحلمون بأحلام جديدة كنتم في البداية تتطلعون للعيش بحياة أفضل وأكرم وكنتم تتطلعون بنظرة ‏من الأمل..‏

ولكن على شواطئ الغربة تحطمت هذه الذكريات وتأججت في أعماقكم نيران الحنين والشوق إلى الأهل ‏والوطن وقرت في الأنفس غصة وفي العين دمعة…‏

وإن أول ما تحسون به عند الاغتراب هو ذلك الحنين الجارف الذي يملآ القلب للعودة إلى الوطن. ‏

مهما كانت ارض الغربة جميلة لا يمكن أن تحل محل الوطن فكل ما في وطنكم يبقى عالقاً في الذاكرة ‏وخصوصا ذكريات الطفولة والشباب ولا يمكن لأي مغترب منكم أن ينسى أهله ولا سيما قلبه الذي يمتلئ ‏حنيناً ولهفة فيشعر أن قلبه يقطفه إلى أولئك الأهل وخصوصا تلك الأم التي تتمزق حزنا على فراق وبعد ‏أبنائها …وأن ضريبة الغربة لابد أن تدفعوها بالألم والمعاناة لأنه لا يمكن لأي بلد أن يعوضكم عن ‏بلادكم وإن الغربة قد أظهرت عليكم الألم والعذاب بتجاعيد رسمتها على مرور السنين …‏

وتبقى صورة بلادكم في أذهانكم جميعا ورغم كل ما تعانوه من ألم في الغربة ….ويبقى لكم أمل وحلم في ‏العودة ذلك الحلم الذي لا يفارق خيالكم في اليقظة والمنام ويبقي لكم أملا مشرقا في طي صفحة الغربة ‏والعودة إلى أوطانكم لعلل جراح الغربة تندمل وتشفى برؤية الوطن وشم ترابه واستعادة الذكريات …..‏

السؤال متى تنتهي ملحمة الغربة ومأساة الرحيل والاغتراب متى تطوون هذه الصفحة وتعودون إلى ‏أرض الوطن وتلتقون بأهلكم.‏

بقلم: تسنيم صبيح/ كلية العلوم الإنسانية

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »

1 التعليق

  1. موضوع جميل وطرحه وتنسيقه. اجمل. الغربه. كلمه كبيره في نطقها. لمعرفه محتواها. كلمه غربه تخرج من القلب علي السان. بحرقه. وعينان تدمعان. القرار في حد زاته صعب. ولكن السوال اي كانت البلد التي تنتمي اليها في غربتك في ظل الظروف الراهنه. في الوظن العربي. يمكن ان تبعدك لظروفها الاقتصاديه او السياسيه. ولذا فقرار الاستقرار. وارد وحتمي. منك او للظروف الدوله. فهنا جال في بالي ان اضع. تجربتي. التي لا تمثل الا شخصي. اغتربت عن بلدي. 12عام. بين سفر. وعذاب. وما اسرع ايام الاجازه. وانت تحزم شنطه السفر ولسان حال ابنائك وزوجتك. والدموع تملأ اعينهم. ووالديك الذان بلغي من السن عتي في كل مره اصعد سلم الطائره. وقلبي يرجف. واتمني العوده لظرف او عطل او تاخير. ولكن اسمع صوت كابتن الطائره. يقول حمدا لله علي سلامتكم. في بلد الغربه. التفظ انفاسي واقول. كلها عام وارجع. ويمر العمر. وهنا وتحديد اليوم. وفي موعد عودتي من الاجازه. لم انم من اكثر من ثلاث ايام. لاخذ قرار عدم العوده والاستقرار. حتي اتي يوم العوده. معلنا السفر او انتهاء التاشيره. وهنا توقفت عن كل التفكير. متخذ قرار الاستقرار دون اي ندم. زال الخوف وهدا القلب. وبدات ترتيب حياتي واضع اول خطوه. بديله. تجعلني. اتعايش في ظل ظروف وطني. متحديا كل الاراء متوكل علي الله. فهنا. اقولها بكل قناعه ان الغربه مجرد تجربه مئلمه مرض ابتليت به. واذن الله الشفاء منه. وتغير نفس نابع من داخل الشخص. ربما خسرت. في راي اناس كثيره تبحث عن فرصه للغربه. والهروب من الوطن الذي لا يجد ما يسد قوته ويحقق احلام كثير. ولكني رايتها في عين زوجتي وعدم خوفها من اني سوف اسافر واترك لها هم ابنائ في عيون ابني الاصغر وهو يقول لي بابا انت هتفضل معنا. هنا ادركت تلك المكسب. الحقيقي اما الماده فهنا جاء دوري واصراري علي العمل والتعب. وان توقفت الدنيا فجاء البديل في خزانه الحلول وهو العوده للغربه ولكن للافضل. وكلمه الافضل اني ان عدت للغربه فلدول التي تعي معني الانسانيه دول طالما عشت بها عرفت الفرق بينها وبينن دول العرب والمسلمين. في الدول العرب. الذي يقولو عنا اجانب ونحن في الحقيه عرب مثلهم يعاملونا كعبيد ولكن في دول يسودها الكفر ويعمها المساواه والحريه. واقصد دول الغرب بكل فئاتها التي عشت فيها تجربه. لمده ثلاث اشهر. ما اجمل التعامل والحريه. مع ضبط النفس والتوكل علي الله. واخيرا وليس اخر خذ قرارك. ولن تندم. فوطنك فيه خير اي كان يكفي الحريه. وبمضمون اخر مختصر كم تكسب شهري في غربتك. بعد مصروفك. 800دولار فليكن. ضعهم تحت قدميك. واحتر حبك لابنائك وزوجتك. واهلك فلن تجوع في وطن يظله الله بعدله ورحمته. كفي غربه وعد الي ارض انت من تصنع فيها خير وحب تحياتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.