هل يعرف المعلّم دلالات التعلم!‏

قد يتساءل المعلم وكثير من الأباء والأهالي، ما هو التعلم، وما معناه، ومتى يحدث، وما هي دلالاته، ومتى نعتبر ‏الإنسان متعلما، وكيف نحكم على ذلك؟ أسئلة كثيرة حيرت الأهل والمعلمين والفلاسفة وعلماء النفس والتربية ‏والاجتماع والانثروبولوجيا منذ آلاف السنين ولم يجدوا لها حلا شافيا إلى الآن، ومع هذا فلم يهنوا ولم ييأسوا وظلوا ‏يقومون بالدراسات والأبحاث المتواصلة وملاحظة سلوك الإنسان وأقواله وأفعاله في بيئات مختلفة لسنوات طويلة، ‏على أمل الوصول إلى نظرية موحدة تفسر التعلم وتحدد عناصره وطريقة قياسه وتقويمه، وتفهم سلوك الطالب ‏ونفسيته وتحل مشاكله، ومن ثم تساعد المعلمين على التعليم وفق الطريقة التي يتعلم بها الطالب وذلك من أجل ‏تحقيق أهداف العملية التعليمية التعلمية المنشودة.

وبناء على ذلك، فلقد وضح التربويون دلالات مختلفة للتعلم انطلقت من مدارس تربوية مختلفة، فالمدرسة السلوكية ‏على سبيل المثال، لا تعتبر الإنسان متعلما إلا إذا اكتسب سلوكا إيجابيا مرغوبا، وأصبح هذا السلوك جزءا من نفسه ‏وأخلاقياته يمارسه على مدى حياته.  فمثلا، إذا تعلم الإنسان صنعة معينة وأصبح يمارسها بشكل جيد، نقول أنه ‏تعلم، وكلما كثرت السلوكات الايجابية التي يكتسبها الفرد في حياته، وأصبح يمارسها كجزء من نفسه، نقول أنه تعلم.‏

في حين ينظر علماء نفس الإدراك إلى التعلم بأنه عملية تنسيق وبرمجة للمعلومات التي يستقبلها الإنسان عن ‏طريق حواسه الخمسة، والقيام بتخيلها وإدراكها وتحليلها وتفسيرها وتقويمها وتبويبها في فئات، ثم خزنها في الذاكرة ‏طويلة الأمد، وذلك من أجل استرجاعها عند الحاجة.  وبهذا المفهوم فهم لا يرون الإنسان متعلما إلا إذا استخدم ‏عقله، وعالج المعلومات التي يتعلمها بطريقة صحيحة، وقام بخزنها في ذاكرته بطريقة تساعده على استرجاعها وقت ‏الحاجة.‏

أما علماء الاجتماع فهم يرون التعلم بأنه عملية اكتساب الثقافة التي ينتمي لها الفرد، واكتساب أخلاق المجتمع الذي ‏يعيش فيه، وتقمص عاداته وتقاليده وقوانينه وهويته وطريقة حياته، ومشاركته في العمل والبناء. ‏

وعلماء البيئة يرون التعلم بأنه نتيجة لإدراك متبادل وتفاعل بين الفرد وبيئته، إنه إدراك لما تقدمه البيئة له وما ‏يقدمه لها ؛ ولذا فإن قدرة الفرد على إدراك البيئة والتفاعل معها وما يحدثه فيها من تغييرات، والمحافظة عليها، ما ‏هو إلاَ انعكاس لتعلمه.‏

وأيا كانت مفاهيم التعلم فالكل يدرك أن التعلم بحاجة إلى تفكير وتدبر وإمعان في الشيء المتعلم، وبحاجة إلى نشاط ‏وحركة وعمل دائب، وبحاجة إلى حب ورغبة وتفاعل مع الموقف التعليمي،  وبحاجة إلى بذل الجهد والوقت والطاقة ‏في الشيء المتعلم، وبحاجة لأن يكون الطالب ايجابيا نشطا متحمسا محبا للتعلم، وبحاجة لأن يعكس ما يتعلمه على ‏الآخرين ويستفيد منه ويفيد الآخرين.‏

ومن ناحيتي فإنني أرى، ومن خلال خبرتي كأستاذة في علم التعلم والتعليم, أن التعلم لا يحكم عليه إلا من خلال ‏الممارسات التالية:‏

  1. إذا اكتسب الطالب شيئا جديدا مفيدا سواء كان هذا الشيء سلوكا حسنا، أو تصرفا جيدا، أو خلقا حميدا، أو ‏اتجاها إيجابيا، أو معرفة أو معلومات أو مهارة مفيدة لم تكن موجودة عنده من قبل.‏
  2. إذا طبق الطالب ما تعلمه من معرفة ومعلومات وما اكتسبه من أخلاق واتجاهات وسلوكات على أرض الواقع ‏فاستفاد منه وأفاد غيره بما يخدم الصالح العام والآخرين.   بمعنى آخر،  فالمتعلم لا يعتبر متعلما إلا إذا ظهر ‏علمه وعم وشاع وذاع واستفاد منه الآخرون.‏
  3. إذا عدل الطالب سلوكا أو تصرفا أو عادة أو خلقا أو اتجاها أو معرفة أو معلومات أو صنعة كانت موجودة ‏عنده ولم تكن متعلمة بالشكل الصحيح.  أي أن الطالب لا يعتبر متعلما إلا إذا استفاد من أخطائه وعمل على ‏تطوير نفسه ومحيطه نحو الأفضل.‏
  4. إذا تخلص الطالب من سلوك ضار أو خلق سيء أو اتجاه سلبي أو آراء هدامة أو عادة سيئة.  بمعنى آخر، لا ‏يصبح الطالب متعلما إلا إذا تخلص من الأشياء التي تضره، وساعد الآخرين أيضا على التخلص مما يضرهم، ‏إذا طلب منه ذلك.‏

ومجمل القول على المعلم أن يعرف أن التعلم ليس شيئا ثابتا يستمر مدى الدهر، وإنما سلوك يتذبذب بالاتجاه ‏الإيجابي كلما اختلفت الظروف والأحوال سواء أكانت هذه الظروف متعلقة بالطالب وميوله ورغباته واتجاهاته ‏وقدراته وعقله وذكائه ونشاطه ونفسيته الخ، أو متعلقة بالبيئة الخارجية المحيطة به من جغرافية واجتماعية ودينية ‏وسياسية ومعلوماتية واقتصادية وسكانية الخ. ‏

وكلمة أخيرة لا بد من قولها أن الطالب لا يكون متعلما ولا يحكم عليه بأنه متعلم إلا إذا انعكس علمه على نفسه ‏وسلوكاته وتصرفاته وأخلاقه ومجتمعه ووطنه أينما ذهب وأينما حلً، ولا يمكن أن يكون هناك علم بدون أخلاق ولا ‏أخلاق بدون علم وتربية، وإلاَ يصبح العلم لا قيمة له ولا وزن ولا فائدة ولا يستحق ما يبذل في تحصيله من مال ‏ووقت وجهد، إذ لا خير يرتجى من إنسان متعلم بدون أخلاق.‏

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »
أ.د. أفنان دروزة

كاتبة وأديبة، ومحاضرة في قسم أساليب التدريس والدراسات العليا في كلية التربية/ جامعة النجاح الوطنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.