جمال الصمت…!‏

للصمت جمال وليس كمثله جمال، وله سمو وليس كمثله سمو.  والصمت يعني التوقف عن ‏الكلام والامتناع عن سماع أي كلام أو همس في لحظة معينة، في مكان معين؛ حتى لتشعر أنك ‏انسخلت عن ذاتك وأصبحت روحك تحلق فوق البشر فوق الآدمية، وغدا المكان الذي أنت فيه ‏كأنه معبد بوذي لا حركة فيه ولا همسة.  ففي مثل هذه اللحظات الصامتة الناطقة في آن تنطلق ‏الروح إلى فضاءات سماوية، والنفس تحدث نفسها بحديث كأنه حديث الملائكة، فتشعر أن ‏السكينة تغشاها، والهدوء والسلام ينتشر على كل ذرة من ذرات كيانها، فتصبح الروح أكثر سحرا ‏ونورانية، والعقل أكثر قوة وعقلانية، والضمير أكثر صدقا وإحساسا، والنفس أكثر جمالا شفافية، ‏فعندها ترى ما لم تكن تراه، وتدرك ما لم تكن تدركه وهي في المواقف العادية التي يعلوها اللغط ‏والثرثرة والصخب والحركة والضجيج.‏

وما أجمل من الصمت عندما يقترن بجمال المكان ونظافته ورقي الإنسان وقوة عقله ‏فتصبح له لغة أشد وأفصح من لغة البيان، ومشاعر وإحساسات أرق وأقوى من مشاعر الإنسان، ‏عندها ستشعر كأنك فرد وحيد منعزل عن الناس رغم وجود الناس من حولك، تسبح بحمد ربك ‏وكأنك في محراب تصلي بخشوع أمام الروح الكلية المقدسة لتعانقها وتعانقك، وتبثها حديثك وهي ‏تكلمك.  ففي مثل هذه اللحظات النادرات يشعر الفرد بإنسانيته تتكثف، وروحه أصفى وأنقى، ‏ونفسه يغشاها الهدوء والسكينة.‏

والصمت هو اللغة الناطقة التي تجمع بينك وبين الناس في لحظة معينة دون أن تحتاج ‏إلى حروف وكلمات، وجمل وعبارات.  وما أجمله عندما يكون سيد الموقف وأنت في أحضان ‏الطبيعة تتأملها، أو واقف على شاطئ بحر متلاطم الأمواج تغمض عينيك وتتنفس بعمق، أو ‏عندما تتفيئ ظل شجرة واضعا ذراعيك تحت رأسك تتأمل السماء بتفكر وعمق، أو عندما تكون في ‏معبد تناجي ربك وتدعوه بهيبة وخشوع.‏

والصمت والهدوء والسكينة يظل من صفة الشعوب الراقية والبلاد المتقدمة التي تحقق ما ‏تريد عن طريق الصمت والعمل في آن، حيث يكون الصمت سيد الموقف لا للغوغائية والجعجعة، ‏والعمل لا الفشر والتشدق بفارغ الكلام.  ولهذا فالمرء يستطيع أن يميز بين البلاد الراقية والبلاد ‏المتأخرة عن طريق ملاحظة نمط حياتهم، عندها سيتجد أن الصمت  والهدوء من صفات البلاد ‏الراقية، والغوغائية والضجيج من صفات البلاد المتأخرة؛ وقلة الكلام مع العمل من صفات ‏الشعوب الراقية، وكثرة الكلام والضجيج مع قلة العمل من صفات الشعوب المتأخرة.  فالمكان في ‏البلاد الراقية هو الذي يتكلم ولكن بهدوء وسكون وصمت، في حين أن اللسان في البلاد المتأخرة ‏هو الذي يتكلم ولكن بصراخ وصخب.‏

ففي لحظات الصمت يغيب الزمن ويتلاشى الشعور بالمحيط ويصبح التأمل الروحي سيد ‏الموقف والكشف النواراني هو الذي يغشى الروح، وكلاهما يؤديان إلى المعرفة الحقيقية، معرفة ‏الله.‏

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »
أ.د. أفنان دروزة

كاتبة وأديبة، ومحاضرة في قسم أساليب التدريس والدراسات العليا في كلية التربية/ جامعة النجاح الوطنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.