ما هي المنشطات الإدراكية ؟

تعتبر المنشطات الإدراكية عنصرا أساسيا من عناصر المنهاج، وركيزة أساسية في تأهيل المعلم، ‏انطلاقا من فرضية مفادها ” أن كثيرا من الطلبة يتعلمون ويخزنون ما يتعلمون ولكنهم ينسون ولا يستطيعون أن ‏يتذكروا ما يتعلمون.  أما إذا ما استثيرت ذاكرتهم ونشطت بالشكل الصحيح فسوف يسترجعون المعلومات التي ‏تعلمون ويطبقونها في مواقف تعليمية جديدة.‏

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ما هي منشطات استراتيجيات الإدراك وما أنماطها وكيف تعرض في ‏غرفة الصف ومتى، وكيف على المعلم أن يستخدمها في أثناء تدريسه حتى ينشط من ذاكرة المتعلم ويجعلها ‏أقوى في استرجاع المعلومات المتعلمة ومن ثم التعلم، مثل هذه الأسئلة وغيرها هي ما نحاول أن نجيب عنه ‏في ضمن هذه السلسلة من تأهيل المعلم.‏

لعل من المفيد أن نعرف استراتيجيات الإدراك قبل أن نعرف المنشطات التي تثستثيرها وتحفزها،  ‏ولكي نوضح مفهوم استراتيجيات الإدراك علينا أن نوضح معنى كلمتين:  1) استراتيجية، 2) وإدراك. ‏

إن كلمة استراتيجية تعني الطريقة أو الأسلوب أو العملية التي نوظفها لعمل شيء معين؛ في حين ‏تعني كلمة إدراك، التبصر والرؤية والاستيعاب والمعرفة.  من هنا فإن “استراتيجية الإدراك” تعرف بأنها ما تقوم ‏به ذاكرة المتعلم من عمليات عقلية تؤدي به إلى الفهم والتبصر والاستيعاب ومن ثم التعلم.  وبهذا التعريف ‏تعتبر منشطات استراتيجيات الإدراك نمطا عقليا يتميز به الفرد عن غيره من الأفراد، مما يجعله يتباين عن ‏غيره من  المتعلمين في طريقة تفكيره وتعلمه.   ويعرفها البعض بأنها الطريقة التي يعمل بها العقل لدى ‏معالجته الأحداث والمواقف والموضوعات والأشياء من حوله، بحيث يتوصل من وراء ذلك إلى معرفة وفهم ‏ورؤيا وبصيرة، ثم العمل على استرجاعها عند الحاجة.‏

وبناء على هذه التعريفات، فإن “منشطات استراتيجيات الإدراك” تعرف بأنها كافة المعينات المعرفية ‏التي تعتمد على الرمز، أو اللغة، أو الشكل، أو الصورة، في استثارة العمليات العقلية، وتحث المتعلم على ‏توظيف العملية العقلية المناسبة في أثناء تعلمه، من تخيل، أو تحليل، أو استنتاج، أو تصنيف، أو تنظيم ‏وغيرها، بهدف إدخال المعلومات إلى الذاكرة ( ‏Input‏ )، أو بهدف تنسيقها ومعالجتها في الذاكرة ومن ثم ‏خزنها ( ‏Processing‏ )، أو بهدف استرجاع المعلومات واستخراجها من الذاكرة ( ‏Output‏ ).  وبالتالي، فإذا ‏ما قلنا أن إستراتيجيات الإدراك هي العمليات العقلية التي يوظفها المتعلم بغية الفهم والتبصر والتعلم، فإن هذه ‏الاستراتيجيات تحتاج إلى منشطات عقلية لاستثارتها سواء في حالة إدخال المعلومات، أو في حالة معالجتها ‏وتنسيقها، أو في حالة استرجاعها، كأن نعطي الطالب ملخصا للمادة الدراسية التي درسها لكي يتذكر ما تعلم.‏

‏وأيا كانت الاستراتيجات التي يوظفها الفرد المتعلم، والمنشطات العقلية التي تستثيرها، فعلينا أن نعرف ‏أن المنشطة العقلية الواحدة قد تستخدم لاستثارة عدة عمليات عقلية، وأن عدة منشطات عقلية قد تستخدم ‏لاستثارة عملية عقلية واحدة، وأن هذه المنشطات تتباين نوعا وكما وقالبا وفق خصائص الطلبة، وصعوبة ‏المادة الدراسية التي يدرسون، ومستوى الهدف التعليمي الذي سيحققون، والوقت الذي ستطرح فيه المنشطة ‏العقلية، وغنى وتنوع الظروف والمواقف التعليمية التي تستخدم في ظلها.‏‎ ‎

‎ ‎والمنشطات العقلية تتنوع بتنوع العمليات العقلية التي توظفها الذاكرة، فالذاكرة قد تقوم بالتخيل والتذكر، وقد ‏تقوم بالتحليل والتفسير، وقد تقوم بالربط والتنظيم والتبويب والتجميع والاستنتاج والتشبيه والتقويم واشتقاق ‏القوانين وغيرها من العمليات العقلية التي لا حصر لها بهدف الفهم والاستيعاب ومن ثم التعلم.  من هنا فقد ‏نجد من المنشطات العقلية التي يستخدمها المعلم: القصص التشويقية، والجمل والعناوين، والمقدمات ‏التمهيدية، والتعليمات الإرشادية، والصور الحسية، والصور الذهنية، والملاحظات الصفية، والمراجعات، ‏والتلخيصات، والتشبيهات، والعلاقات، ورؤس الأقلام، وخارطة المعلومات، والأسئلة التعليمية، والأهداف ‏التربوية وغيرها من المنشطات التي من شأنها أن تستثير ذاكرة المتعلم وتنشطها لإدخال معلومات إليها، أو ‏مساعدتها على معالجتها وتنسيقها وبرمجتها، أو مساعدتها على استرجاعها وتوظيفها والاستفادة منها. ‏

هذه المنشطات العقلية قد يعرضها المعلم على الطلبة بقالب لفظي مسموع، أو قالب صوتي مسموع، أو ‏قالب رمزي مقروء بما يناسب تعلم المادة الدراسية وتعلم الطلبة في آن معا.‏

أما عن فوائد استخدام المعلم للمنشطات العقلية في أثناء تدريسه فيمكن إيجازها بالنقاط التالية:‏

  1. ‏تحث المتعلم على توجيه انتباهه لما يراد تعلمه، حتى إذ ما ركز المتعلم انتباهه، يسهل عليه استقبال ‏المعلومات، وتنسيقها، وبرمجتها في الذاكرة بطريقة أعمق، ومن ثم استرجاعها.‏
  2. ‏تحسن أداء المتعلم وخاصة المبتدئ، إذ بينت الدراسات التربوية أن إتاحة الفرصة للمتعلمين أن يستخدموا ‏المنشطات العقلية كمجموعة تجريبية أدى إلى تفوق أدائهم على أداء نظائرهم الذين لم تتح لهم مثل هذه ‏الفرصة كمجموعة ضابطة.  والتفوق كان لا يقتصر على مستوى واحد من التعلم، وإنما تعداه إلى ‏المستويات الأخرى كالتذكر، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، والتقويم، وفق تصنيف بلوم للأهداف.‏
  3. ‏تساعد المنشطة على زيادة كمية المادة التعليمية المدروسة، حيث يضاف إليها المادة التي تتضمنها ‏المنشطة العقلية إلى جانب مادة المنهاج المدرسي، وهذا من شأنه أن يساعد المتعلم على توظيف عدد ‏أكبر من العمليات العقلية.‏
  4. ‏تساعد المتعلم التركيز على الأفكار الرئيسة المهمة، إذ بينت الدراسات أن هناك علاقة إيجابية بين الإلمام ‏بالأفكار الرئيسة ومستوى التحصيل.  فالمنشطات العقلية التي توجه انتباه المتعلم إلى مثل هذه الأفكار ‏ستعمل على زيادة تحصيله، ومن ثم تحسين عملية تعلمه.‏
  5. ‏ولما كانت إحدى وظائف الذاكرة ربط المعلومات الجديدة بالمعلومات القديمة المخزونة، ولما كانت إحدى ‏وظائف المنشطات العقلية ، من ناحية أخرى، المساعدة على ربط المعلومات الجديدة بالمعلومات القديمة، ‏فإن استخدام مثل هذه المنشطات سيساعد على تقوية ذاكرة المتعلم، ومن ثم رفع عملية التعلم، وهذا لا يتم ‏إلى عن طريق خلق روابط معرفية بين ما هو متعلم، وما يراد تعلمه.‏
  6. ‏يعدّ استخدام المنشطات العقلية وسيلة لترميز المعلومات، ومن ثم خزنها في الذاكرة طويلة الأمد ‏‏(‏Encoding‏)، ووسيلة لاسترجاع المعلومات أيضا عند الطلب (‏Decoding‏ ).‏

والسؤال الذي يجب أن يطرح هنا قبل الانتهاء من موضوع المنشطة العقلية كمهارة أساسية في تأهيل ‏المعلم، ما الأمور التي يجب أن يراعيها المعلم لدى تصميمه المنشطة العقلية، أو استخدام الجاهز منها لكي ‏تحقق الأهداف التعليمية التعلمية التي استخدمت من أجلها؟  بمعنى آخر ما هي مواصفات المنشطات العقلية ‏الجيدة ومعاييرها؟ ولكي نجيب عن هذا السؤال نورد المواصفات التالية للمنشطة وفق ما بينته الدراسات النفسية ‏والتربوية في مجال الإدراك والذاكرة:‏

  1. ‏أن تكون المنشطة العقلية واضحة بعيدة عن التعقيد والفلسفة والغموض.‏
  2. ‏أن تكون ذات تعليمات واضحة واستراتيجيات تبين كيفية توظيفها واستخدامها.‏
  3. ‏أن تكون متنوعة في نمطها بحيث يستخدم منها الأسئلة التعليمية والمقدمات والملخصات ‏والملاحظات والمقارنات التشبيهية والقصص التشويقية والخطوط تحت الأفكار المهمة..الخ.‏
  4. ‏أن تستخدم في أوقات مختلفة من الدرس: قبله وخلاله وبعده وفق الهدف التي تريد أن تحققه، أو ‏توضع في أمكان مختلفة من المنهاج المدرسي.‏
  5. ‏‏ أن تعرض بأشكال مختلفة:  لفظيا وسمعيا وبصريا لكي تلائم أذواق الطلبة.‏
  6. ‏أن تعمل على تحقيق الهدف المنشود الذي وضعت من أجله ألا وهو تنشيط ذاكرة المتعلم ‏ومساعدته على برمجة المعلومات في دماغه، ومن ثم استرجاعها وقت الحاجة والاستفادة منها.‏
  7. ‏أن تلائم المادة التعليمية المدروسية بحيث تعمل على توضيحها وتعلمها.‏
  8. ‏أن تتناسب مع خصائص المتعلمين ومستوى ذكائهم وقدراتهم ومرحلتهم التعليمية.‏

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »
أ.د. أفنان دروزة

كاتبة وأديبة، ومحاضرة في قسم أساليب التدريس والدراسات العليا في كلية التربية/ جامعة النجاح الوطنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *