من وحي الواقع

خرجت من بيتها يحدوها أمل عظيم بعودتها وتحقيق أحلامها الوردية وهي ترسم ذلك المستقبل الزاهر لذلك الوليد الذي لم ير النور بعد …..

عقدت عليه أمالها العظام….ترى فيه سندها وعدتها على الأيام المقبلة ، أجل هذا هو من سيثبت أركانها ….ويرفع عمادها .

نعم فالجميع بانتظار هذا الوافد العزيز بعد سنوات عجاف مرت عليها وهي تنتظر أن يرى النور وتبصر بعينيه الصغيرتين ذلك العالم الكبير، بهمومه وآماله العراض. …

هو فرحة ذلك العجوز الذي رسم الزمان عليه الأخاديد فوهن منه الجسد وانحنى…. وابيضت عيناه ….وكاد ينقطع منه الوتين مع قضاء العمر…. لكن أمله ويقينه بالله لم ينقطع …..فتراه يحمل فأسه ويغدو على حرثه بكرة وعشية يهيئ تلك الأرض التي عقد العزم على أن تكون الجنة الغناء التى سيدرج بها ضيفه وقرة عينه، فجعلها قطعه من الفردوس. فأصبحت تزهو بشتى أنواع الثمار ومختلف الأزاهير وتوشحت بمختلف الألوان ….فبات الناظر لها لا يمل ولا يكل ويتمنى لو يمضي بقيه العمر بين تلك الروابي ….

وما أجمل ذلك الصوت الذي يصدح بتلك الأهازيج والتها ليل وكأنها تراه بأم عينها وتراقصه بين ذراعيها وتحنو عليه وتهدهده حتى ينام : -يا ستي ويا ستي غاب القمر جيت أنت وغاب القمر ونجومو وضويت علينا أنت – يلا تنام يلا تنام لدبحلك طير الحمام يلا تنام يلا تنام يلا بجيه نوم يلا يحب الصلاة والصوم .

بهذه الكلمات التي ملأت جنبات المكان فرحا واستبشارا، شيعت كنتها بعيون تفيض بدموع الفرح وكأنها تزف عريسا اجل عريسا!!!! فهي بانتظاره منذ زمن …وخرجت من تلك البوابة الحديدية وهي تنظر للخلف وتتفحص كل تفاصيل ذلك الحوش الذي شهد على آمالها وآلامها واستعرضت الخمسة عشر سنة في لحظة واحدة فمر الشريط سريعا أمام عينيها ….. ومع سماعها صوت تلك السيارة الهادرة التي تم استدعاؤها للذهاب إلى المشفى في تلك المدينة القريبة رجعت من ذلك الزمن البعيد وتركت وراءها كل تلك الآهات وتناستها ولو مؤقتا … وسمعت صوت العم ابي يحيى قائلا : ما بكم؟ ماذا تنتظرون؟

أسرعوا فقد يغلق الحاجز في أي لحظة، دعونا نسرع قليلا . فركبت السيارة وهي تعاني ما تعاني من الم ….صابرة محتسبة ….

انطلقوا جميعا برفقة زوجها ابي محمد المنتظر . لا حول ولا قوة إلا بالله – هذا ما كنا نخافه قال أبو يحيي اجل أغلق الحاجز تماما….ولم يسمح لأحد بالعبور تحت أي ظرف وأي ذريعة…. وبدأت عيون الأغراب ترقب من يستقلون الحافلات المتجمعة وهم يتأففون من طول الانتظار … فمنهم من تأخر على محاضراته، ومنهم من تأخر على وظيفته ومنهم من عاد أدراجه على أمل العودة في اليوم التالي …. ولا تزال أم محمد تنتظر أن يسمح لها بعبور حاجز الموت هذا …..واشتد مخاضها …فلا نخيل تهزه ولا رطب تتناوله لتخفف ألمها …..وهي بين أمل وألم تسمع لكنات الأغراب وهي تهزأ بألمها مرددة تلك العبارات التى تنم عن عنصريه مقيتة وبغض دفين لا تمحوه طول السنين ….. انتم العرب وأطفالكم لا تستحقون الحياة .

تلك العبارة التي رددتها تلك الحاقدة جولد مائير منذ زمن متمنية الموت لأطفالنا….وهكذا وجدت أم محمد نفسها داخل لعبة لا تعرف قوانينها ولا تعرف أصولها …فكل ما ترجوه ان ترى إشراقه ذلك الوجه الصغير الوضاء…كإشراقه صبح اليوم الذي يمضي بتكاسل ….ومضت السويعات ولا إجابة لنداءات الإنسانية التي تجمدت في عروق الأغراب ….وتحت إصرار رجائها ونداءاتها وطلب الرحمة وتخليصها مما هي فيه فقد جاءت الإجابة بالموافقة على عبور تلك الحافلة ومن تقلهم للوصول لذلك المشفى …لكن بعد فوات الأوان؛ فلا تسمع صرخات ولا أنين …ولا حتى بكاء طفل رضيع، فقد قضوا نحبهم وحلقت أرواحهم في سماء فلسطين كأخوة لهم في الدم والقضية ….ولا يزال ذلك الحاجز الملعون يشهد على جبروت عدوهم وعتوه وصبر الضعفاء وتجرعهم مرارة صبرهم ….على أمل ان يأتي يوم وتتطهر تلك الأرض المقدسة من ذلك الدنس اللعين .

بقلم خالدية سمارة

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *