• الرئيسية
  • >
  • أدبيات سوا
  • >
  • “أَنُلْزِمُكُمُوهَا‏” سَبعُ كَلمات اختُزِلَت فِي ثَنايَا كَلِمَةٍ وَاحِدَة

“أَنُلْزِمُكُمُوهَا‏” سَبعُ كَلمات اختُزِلَت فِي ثَنايَا كَلِمَةٍ وَاحِدَة

﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾هود:28

المَعنَى بِالإنجلِيزِية: Should we compel you to accept it””

المعنى بالعربية: “أنُجبِرُكُم عَلى قُبولِها”

سَبعُ كَلمات اختُزِلَت فِي ثَنايَا كَلِمَةٍ وَاحِدَة، بِمَعنى وافٍ وَبَيّن، كَيفَ لا! وَهِيَ الّلغَةُ العَرَبِيّة، لُغَةُ الإبدَاعِ وَالإجَادَة، هِيَ لُغَةُ العِلم وَهِيَ لُغَةُ الأَصَالَة، فَقد تَجَلّت الّلغَة العَرَبِيّة مُنذُ تَلِيدِ الزّمان، بِأصالةِ مَاضِيهَا، وَسُمُوّ شَأنِهَا، فَزَخَرَت هَذِهِ الّلغةُ مَكانَةً وَرِفعَةً وَتَوقِيراً، بِأنْ يَصطَفِيهَا الله َعزّ وَجَلّ، دُونَ لُغَاتِ العَالَمِين، وَيَجعَلُها لُغَةً لِلقُرآنِ الكَريم، كَلَامَهُ المُقدّس، الّذِي يَحوِي فِي ثَناياه، آياتِهِ البَيّنَات وَتَعَالِيمه السّماوِيّة وَتَشرِيعاتِهِ الرّبانِيّة، تِلكَ الرّسالة الخَاتِمَة، الشّامِلَة المُوَجّهَة لِلخَلْقِ أَجمَعِين، إِنسَهُم وَجِنّهُم، إِلى النّاسِ كَافّة عَلى اختِلافِ أَلسِنَتِهِم وَأَلوانِهِم، وَعَلَى اختِلافِ عُصُورِهِم وَأزمَانِهِم، وَعَلَى اختِلافِ أَمصَارِهِم وَبُلدَانِهِم، ﴿ وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلّا كَافَّةً للناسِ بَشِيرَاً وَنَذِيرَاً وَلكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لَا يَعلَمُون﴾ (سبأ:28).

شِبه جَزِيرة العَرَب مَهْد اللغَة العَرَبِيّة

العَرَب هُم أَصحَابُ اللغَةِ العَرَبِيّة، هِي رُكنٌ ثَابِت مِن أَركَانِ شَخصِيّةِ الإِنسَان العَرَبِيّ، فَهِيَ الّتِي حَمَلَت ثَقَافَة أُمّتِه وَتَارِيخِهَا، وَهِيَ الّتِي أَغنَت العَالَم بِالعُلُومِ وَالمَعَارِف فِي عُصُورِهَا الذّهَبِيّة، وَأَثبَتَت قُدرَتَها عَلى التّوسّعِ وَالانتِشَار، فَبَرَعَ بِهَا العَرَب، وَصَاغُوهَا دُرَراً نَثراً وَشِعراً، تَجَاوَزوا بِمَعَانِيهَا حُدودَ الظّرفِ الزمانِي الّذِي عاصَرُوه، وَالحَيّزَ المَكَانِي الّذي تَرَعرَعُوا فِي أَكنَافِه، فَكَان اللسانُ العَرَبِيّ قِبلَةً في البَلاغَةِ وَفصاحَةِ الحَديث، وَجَزَالَةِ اللفظ وَالمَعنَى بِاستخدامِ القَافِية أَو بُحُور الشّعر، وَالمُحَسّناتِ البَدِيعيّة التِي تُضفِي لَمسةً غَانِية تُطرِبُ الآذان.

اللغة العَرَبية مِنَ اللغات السامِية فِي التاريخ الإِنسانِي

تُعتَبَر اللغَة العَربية مِن أَقدَم اللغَاتِ فِي العَالَم، فَهِي تَنتَمِي إِلى أُسرَةِ اللغَاتِ السامِية، وَيَرَى الأَديب وَالمُؤرّخ اللّبنَاني حَنّا الفاخُوري، صَاحِبُ تاريخ الأَدَب العَرَبِيّ أَنّ العَرَبِيّة، وَلاحتِباسِهَا فِي جَزيرَة العَرَب، لَم تَتَعرّض لِما تَعرّضَت لَهُ بَاقي اللغات السامِية الأُخرَى مِن اختِلاط، فَظلَّت بِذلِكَ مُحافِظَةً عَلى نَقَائِهَا وَأَصالَتِهَا، وَحَافَظَت عَلى كُل خَصائِص اللغة السامِية الأُم، وَلأِنّها لُغَةُ كِتَابِ الله، انتَشَرَت عَلى نِطَاقٍ واسِع مَع انتِشارِ الإسلام، فَأقبَلَ عَليهَا العَجَم لِتَعَلّمِها، حَتّى يَتَسَنّى لَهُم قِرَاءَة القُرآنِ الكَريم، وَأَقبَلَ عَلَيهَا الشُعَرَاءُ الّذينَ بَرَعُوا فِي كَافّةِ أَلوانِ الشعر، مِنَ الغَزَل وَالمَدحِ وَالذَّمّ وَالرثَاء، لَيسَ هذَا فَقَط، فَقد كَان استِخدَامُهَا دَليلاً عَلَى الرّقِيّ وَالمَكانَة الاجتِمَاعِيّة، وَشعورُ الانتِماءِ فِي نَفْس العَرَبِيّ تِجاهَ لُغَتِهِ العَرَبِيّة، انتِماءَ البَصَرِ لِلعَين، فَالّلغَةُ وِعاءُ الفِكر وَمِرآةُ الحَضَارَة، وَهُوِيّةُ الأُمّة، الّتي تَختَزِلُ مَاضِيهَا بِمَورُوثِهَا الحَضَارِي وَالسّيَادِي، وَالهُوِيّة هِي ذلك الإِحساس الداخِلي المُطَمئِن لِلإِنسان، عَلَى أَنّهُ مُنسَجِمٌ مَع نَفسِهِ مَهمَا اختَلَفَ الزّمَانُ وَالمَكان، وَعلَى أَنّهُ مُعتَرَفٌ بِهِ، وَبِما هُوَ عَلَيهِ، مِن قِبَل الآخَرين المُمَثلينَ لِلمُحِيط المَادّي وَالاجتِمَاعِي، وَالثقَافِي وَالإِقليمي وَالدّوَلي، وَلَعَلَّ هذَا الفِهم لِلهُوِيّة اللغَوِية يَتَأكّدُ بِقَولِ أَحَدِ الفَلاسِفَة الأَلمَان: ” أَينَمَا تُوجَدُ لُغَةٌ مُستَقِلّة، تُوجَدُ أُمّةٌ مُستَقِلّة، لَهَا الحَقّ فِي تَسيير شُؤُونِها وَإِدارَةِ حُكمِهَا”.

وَإذا مَا قَلّبنا أَورَاقَ المَاضِي، نَجِدُ الشعَرَاءَ وَالكُتّابَ أَسهَبُوا فِي وَصفِ اللغَة العَرَبِية وَمَدحِهَا، وَالتغَزُّلِ بِجَمَالِهَا وَرَونَقِهَا وَاتّسَاعِ مُفرَدَاتِها، فَلا نَنسَى شَاعِر النّيل “حافظ إبراهيم”، وَقَصيدَته اللغةُ العَرَبِية، الّتِي يَتَغَنَّى بِهَا بِرَوعَةِ لُغتِنا العربية، فقد صُنِّفَ حافِظ إبراهيم مِنَ الشعَرَاءِ البارِزينَ الّذين تَرَكوا إرثاً كَبِيراً مِن القَصائِدِ القَيّمَةِ، خاصّةً قَصائِدَهُ الّتي تُدافِعُ عَنِ اللغَةِ العربية، باعتِبارِها لُغَةَ القرآنِ الكَريم، فَقَد كان شِعرُهُ سَخِيّاً في الدّفاعِ عَنِ اللغَة، وتناوَلَ العَديدَ منَ الموضوعاتِ الأَدَبِيّة في الغزل، والحُب، والوَطَن، وغيرها الكَثير، وَهُنا نستذكِر مَقطَعاً مِنَ القَصيدة:

 

رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي

وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي

رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني

عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي

وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي

رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي

وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية ً

وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ

وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ

أنا البحر في أحشائه الدر كامن

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني

ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي

فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني

أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي

أرى لرِجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَة ً

وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ

إعداد: أنوار موقدي

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

آخر المواضيع

مشاركات