فلسفة التغيير

أرى كل شيء حولي يتغير، فالمكان يتغير، والزمان يتغير، والأصدقاء تتغير، والوجوه تكبر ‏وتهرم وتتغير، والإنسان يشب ويهرم ويتغير.  شوارع تفتح وشوارع تغلق، بنايات تقام وبنايات ‏تدكّ، كائنات تولد وكائنات تموت، وصغير يكبر وكبير يهرم، ولا شيء يبقى على حاله، ولا يستمر ‏على وتيرة واحدة، وما كل ذلك إلا لأن التغيير سنة الحياة ولن تجد لسنة الله تبديلا.‏

وما ينطبق على الماديات ينطبق على الروحانيات والعلاقات الاجتماعية، فمن كنت تعتبره ‏حبيبا، فهو اليوم شخص عادي، ومن كنت تعتبره صديقا فهو اليوم عدو، واللحظات التي كنت ‏تعتبرها جميلة فهي لم تعد تحرك فيك ساكنا، والمكان الذي كان يثير فيك الذكريات الجميلة لم يعد ‏يستثير فيك شيئا جميلا، والذي كان يأسر قلبك بالأمس فهو اليوم إنسان حيادي لا أثر له في ‏حياتك ولا تأثير، ومن كنت تتقرب إليه تنفر منه اليوم، وما كان بنظرك جميلا أصبح قبيحا شنيعا.  ‏فكل شيء خاضع للتغيير والحزن ينقلب فيه فرحا والفرح ينقلب حزنا، والعسر يرافق اليسر واليسر ‏يرافق العسر، والسعادة تتحول إلى شقاء والشقاء يتحول إلى سعادة، والصحة يحدوها المرض ‏والمرض يحدوه الصحة، فكل شيء يتغير ويتبدل.‏

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل التغيير في صالح الإنسان أم ضده، وهل التغيير هو ‏شيء إيجابي أم سلبي، وهل هو أفضل من الجمود الجميل أم أسوأ من الحركة القبيحة، وما سر ‏التغيير ولم التغيير؟  أظن أن التغيير يبقى في صالح الإنسان، وأن التغيير سواء أكان إيجابيا أم ‏سلبيا تظل فيه روح الحياة، لأن في التغيير الحركة والنشاط وفيهما الحياة، وفي الجمود الروتين ‏والسكون وفيهما الموت، وبما أن الحياة أفضل من الموت، فالتغيير إذن يظل أفضل من السكون، ‏وبما أن الحياة جمالها بالسعي سواء أكان لكسب الرزق أو تربية الولد أو نشر العدل أو رفع ‏الظلم أو تجميل الحياة أو مقاومة الشر أو كسب العلم، إذن يظل التغيير ـ حتى لو كان ظاهره نار ‏الجحيم ـ فهو في حقيقته لصالح الإنسان، وعكسه الجمود الذي يحنّط الإنسان ويقتل طاقته ‏ويقضي على كل شيء جميل عنده حتى لو كان في ظاهره جنة النعمان، وما كل ذلك إلا لأن ‏الشيء الساكن يفقد قيمته ولم يعد يحرك في النفس ساكنا مع الأيام ، أما الحركة ففيها النشاط ‏والتجربة والاختبار وحب الاستطلاع الذي ينقل الإنسان من وضع إلى وضع، ومن حال إلى حال؛ ‏مما يشعرك بأنك تعيش الحياة، وأنك في استمرارية لا تنتهي.  وكذلك المشاعر والعواطف فهي ‏تتغير ولا تبقى على حال، وهذه هي النعمة التي أسبغها الله على عباده المؤمنين، فلو أن مشاعر ‏الحب ظلت ثابتة لمجّها الإنسان ولما قدر قيمتها عندما يفقدها، وكذلك مشاعر الكره فلو ثبتت ‏على حال لما أدرك قيمة مشاعر الحب عندما تأتي إليه ناعمة رخيّة.  وقس على ذلك الحرب ‏والسلم، والربح والخسارة، والفرح والغضب، والجهل والعلم، والجنة والنار، فلولا التغيير لما عرف ‏الإنسان قيمة النقيض، ولولا النقيض لما عرف قيمة الشيء.  فالتغيير إذن هو النمو والتطور ‏الذي يدفع بالإنسان والحياة إلى الأمام.  وحتى الموت الذي ننظر إليه بأنه شيء قبيح وسكون ‏وانتهاء، فهو في حقيقته تطور وارتقاء وانتقال من مرحلة إلى أخرى.  وعلينا أن نعرف أن الزمن ‏لا يعود إلى الوراء، وحتى لو عاد ونسف الإنسان كل الإنجازات التي بناها أخوه الإنسان، فإن ‏العقول والأرواح تكون قد تطورت ولم تعد هي نفس العقول التي كانت في الزمن الماضي، حيث ‏أنها تعود وتبني ما هدمته الطبيعة بطريقة مختلفة.‏

‏ إذن فالتغيير يظل شيئا جيدا، ونعمة وأي نعمة! إنه الحياة المتجددة، إنه الطاقة ‏المتفجرة، إنه النمو، إنه النضج، إنه جوهر الحياة.  إذن علينا ألاّ نيأس إذا تغير الحال واختلفت ‏الأحوال، لأن في باطنها نمو العقل والروح والسعي والعمل، وفيها الحياة الجميلة التي تشعرك ‏بإنسانيتك وقوتك وأنت تخوض غمارها.  فأهلا وسهلا بالتغيير ما دام فيه الحركة والحياة، وأهلا ‏وسهلا بتبعاته ما دام فيها النمو والتطور العقلي والروحي واختبار شيء جديد، وتبّا للجمود وعدم ‏التغيير حتى ولو كان في ظاهره جنة النعيم. ‏

‏ وإذا كان هذا الزمن يفعل بالأشياء فعل السحر، فلم التأسف على شيء، ولم شغل الفكر ‏بما لا يفيد! وإنني أرى أن الإنسان إذا أراد أن يعيش حياته هادئا آمنا مطمئنا، فعليه ألا  يفكر إلا ‏في يومه، ولا يعيش إلا في ساعته، ولا يشغل باله بآت، ولا يحزن على فائت، وأن يقبل بفلسفة ‏التغيير وما يفضي إليه من نتائج، وصدق رسولنا الكريم عندما قال ” لك في الساعة التي أنت ‏فيها.”‏

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.