دقيقة احتضار

في صميمِ الغابةِ الموحشة، راقدةٌ أنا على سريري المُبتلّ، إنَّ الساعةُ الآن الرابعة وأربعٌ وأربعون دقيقة فجراً بتوقيتهم، ولحظةُ الحبِّ بتوقيتنا نحن، يدقُ منبهي ككلِّ ليلة، أهلعُ حافيةَ القدمين أبحثُ عن بابِ قصرنا العتيق، لأتلقى صفعةً مميتة بعنوان: ذاكرتي تستوحشُ المكان، وكأنهُ ليس قصرَ تلكَ الأحلام التي وخرناها سوية، قصرنا الذي كسونا جدرانهُ زهرَ رائحتكَ، وأرضهُ زجاجاً من قلبكَ الشفاف، قلبكَ الذي كان يختال بالابيض فباتَ فحمةً سوداء.

أجري أنا لأقتلعَ الأقفال فضجيجُ صوتكِ خرقَ الهاتف، ولستُ أملكُ القدرةَ على اصماته، أمضي أُريدُ الولوج، لم تعد أوتار ُقلبي قادرة على تحمل لمساتِ ريشتكَ بعد الآن، وما بين نوبةِ هلعي وصوتكَ لحظاتُ غفوةٍ أعتقدُ فيها أنّكَ صمتّ، لكنكَ تُعيدني لنوبتي بعد انتهاء مدةِ الغفوة تلك، لأسترد المجنونة التي تبحثُ عن باب الخروج، على أرضِ قصرنآ الزجاجية التي تشققت يوم خذلانكَ إياي، ثم تحطمت في ليلةِ هلعي الأولى، لم تتحمل انينَ شرايين رجليّ لثانية، أصبحت أرضنا الزجاجية الملساء ارضٌ بساطُها لاذع، فتاتٌ زجاجها محشو بصبّارٍ ذو رأسٍ مدبب، مغموسٌ بإناء سمّ الخذلان والآهات، أستغلُ لحظة ِغفوةِ صوتكِ لأقفزَ فوقها كل ليلة عليّ أصلُ لبابِ الخروج، وخناجرُ التخلي تتكاثر.

فجأة تبرُقُ بمخيلتي صورتكُ التي خلّفتُهآ معلقةً في رأسِ  مرآتنا، كيف لي أن ارتكب خطيئة كهذه بحق هيامنا؟! كيف لي أن أُخلِّفَكَ ورائي وأُمضي وحيدة! سأتنحى أدراجي لأستردكَ ونهلع من صوتكَ سويا، أحتضنكَ بروحي واعاودُ الهربَ مرةً أخرى.

أخيراً وصلنا للباب المرجو، ألم أقل لكَ يا حبيبي أنني لن أعثُرَ على باب الخروج دونَك، فأنت عيناي، اللعنة إنّ الباب موصدةٌ أقفالهُ!

لحظة صمتٍ عميقة، صَمَتَ معها صوتُ المنبه، أجل لقد أصبحت الرابعة وخمسٌ واربعون دقيقة، انتهت نوبة الهلع لهذه الليلة.

أتثاقلُ حاملةً نفسي للرقودِ فوقَ سريري البارد.

يبزُغُ الصباح على جسدي الراكد، لا تزالُ الغرفةُ مظلمة، حتى الشمسُ خانتني بعد رحيلك، لم أعد أراها، فَليلُ قلبي أبديّ كما حُبك، أشعر بقشعريرة تفشّت في عروقي، ألن تعود يا دفئي؟!

سريري مبتلٌ بالدماء، عليّ الآن أن أضمدَّ رجلّي، لم أعد اراجعُ طبيباً فلقد اصبحت محترفة في التضميد، بعد كل ليلة علي ان اكون طبيبتي الخاصة.

استفقت بعد نوبة الهلع واستفاق معي جرحي الدامي، قذفتني من سابع سماءٍ لسابعِ أرض، البارحة كنت قد اجتهدتُ في اقناعِ نفسي بأنني نسيتكَ تماماً، كلُّ عناء النسيان ذاك راح هباءاً منثوراً، تعيدني كل ليلة الى نقطة الصفر من جديد، اتراك دميت مفتاح قصرنا بقلبي؟!

لم أنجح في الهروب…….

مرَّ شهران، كنتُ أظنُّ أنني سأتجاوزُ هجرَكَ وأنَّ عيوني طرحتكَ مع ذاك الماءِ الفاسد، ظننتُ أنني لن اضع الكحلة العربية في الصباح لأُخفي آثار توعكِ عيناي لكنَّ بعضَ الظنِّ إثم يا حبيبي.. إثم!

 بعدَ ليلتي تلك، أقيمُ حفل عزاءٍ على ذكرانا، بكيتك بملئ جوارحي ولم تبككَ عيناي، طرحتكَ في كاملِ كلماتي ولم يطرحكَ قلبي!

اللعنة عليك وعلى قلبي ذاك، أتمنى أن تحرقني النار التي أوقدتها داخلي ثمَّ تحرقكَ ذاتُ النارِ معي لنصير رماداً، نحلّقُ  في زمن العشاق سويا، فيُضِلّ رمادكَ طريقهُ لِألقاكَ مرةً اخرى، علّكَ تكونُ وفياً في زمنٍ آخر.

بقلم: عرين أبوشيخة

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »

1 التعليق

  1. رابعة جدا 🌺🌺

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.