هل الذاكرة البشرية كالحاسوب ؟

لا أرى شبها كالشبه الذي أراه بين الذاكرة البشرية والحاسوب، ولا أرى تماثلا أكثر من التماثل الذي يجمع ‏بينهما في الوظائف والعمليات، فكلاهما يقومان بإدخال المعلومات، وكلاهما يقومات بالبرمجة والتنسيق، وكلاهما ‏يقومان بإخراج المعلومات، وكلاهما يحولان المعلومات إلى أشكال وصور وصيغ وخطوط وأصوات وأرقام ورموز، ‏وكلاهما قادران على استرجاع الأحداث بالصوت والصورة والرمز والأرقام إلى غير ذلك من الوظائف.  إنهما ‏يتشابهان لدرجة يخالهما المرء صنوين متكافئين.  وما استخدامنا للحاسوب إلا لتسهيل أمور حياتنا وتسريع أعمالنا ‏بمهارة وكفاءة، وما استخدامنا للذاكرة إلا لتسهيل حياتنا والمحافظة على نفسيتنا وأرواحنا وأفكارنا سليمة معافاة.‏

لعل الشبه يزداد بين ما تقوم به الذاكرة وما يقوم به الحاسوب، عندما نواجه مشكلة أو أزمة نفسية، فكما ‏أننا نقوم لدى استخدام الحاسوب بعمليات من القص، والحذف، والبرمجة، والتحديث، والحفظ، وفتح ملفات جديدة، ‏وإلغاء ملفات قديمة ومعلومات تالفة، وإزالة فايروسات وغيرها من  العمليات التي تساعدنا على إنجاز العمل على ‏خير ما يرام، كذلك الذاكرة البشرية فهي تقوم بإدخال معلومات، وحذف ملفات، وحفظ ما هو مفيد، والتخلص مما هو ‏غير مفيد، وتصميم برامج جديدة، وتنسيقها ومعالجتها واسترجاعها وغيرها من العمليات التي تساعدها أن تجعل ‏صاحبها يعيش حياة هادئة طبيعية.‏

ولما كانت منغصات الحياة كثيرة، ولما كانت منغصات البشر أكثر، إما لجهلهم، أو غبائهم، أو حسدهم، أو ‏غيرتهم، أو لئامتهم، أو محدودية عقلهم وثقافتهم وضيق أفقهم، فنحن نحتاج بين الحين والآخر إلى إعادة برمجة ‏لذاكرتنا لكي تظل أفكارنا هادئة غير مشوشة، ونفسيتنا جميلة، ومعنوياتنا عالية، تماما كما هو الحال عندما نحتاج ‏إلى إعادة برمجة حاسوبنا كلما واجهتنا مشكلة تعيق عملية استخدامه.  ‏

وقد يتساءل المرء الذي يعاني من التوتر والضيق بسبب حادثة ما أو مشكلة معينة ـ وخاصة ونحن نعيش ‏في عصر يتسم بالسرعة وتفجر المعلومات، ويتسم معه الإنسان بالتوتر والقلق والضيق ومرض الأعصاب ـ ماذا ‏علي أن أعمل؟ وكيف أحمي نفسي من القلق والضياع؟ وكيف أجنبها من الضيق والانزعاج؟ وكيف أتخلص من ‏المشاعر السلبية التي تداهمني بين الحين والآخر؟ وكيف أتعامل مع دماغي وذاكرتي التي هي مصدر معلوماتي ‏وخبراتي ومشاعري وانفعالاتي؟

وأنا بدوري أجيب مجازا، ما عليك عزيزي السائل لكي تحل مشكلتك إلا أن تجلس أمام ذاكرتك وتتعامل ‏معها كما تتعامل مع حاسوبك، فتفتح أبوابها على مصراعيها، وتتعرف على ما بداخلها من معلومات وخبرات ‏وانفعالات ومخزونات، ثم قم بعد ذلك بعملية تصفح، وحذف، وإضافة، ونسخ، وقص، ولصق، وتحديث، وتغميق، ‏وتخطيط، وبرمجة، وإدخال وتنسيق، واسترجاع معلومات لصور ومشاهد وأحداث وانفعالات ورموز وأرقام، وبعدها قم ‏بعملة حفظ، وإزالة فيروسات، وإعادة تشغيل، تماما كما تفعل لدى استخدام الحاسوب.  فمثلا عندما تشعر بضيق ‏وقلق دون أن تعرف ما نوعه وما مصدره، افتح ذاكرتك وتصفحها، ثم حدد الملف الذي يسبب لك الضيق والإنزعاج، ‏وقم بحذفه كلية إذا كان عويصا أو موبوءا، أو احذف بعض معلوماته التي تقف وراء ضيقك وانزعاجك إذا كان ‏بسيطا غير معقد، ثم استبدل ما جاء فيه من معلومات سلبية بأخرى إيجابية تنعش روحك، وترفع معنوياتك، وتبث ‏الاتجاهات الإيجابية في نفسك، والذكريات الحلوة الجميلة، والأفكار البناءة المضيئة، إذ أن مثل هذه المعلومات ‏الإيجابية ستساعدك التغلب على مشكلتك، وستخفف من ضيقك وانزعاجك، وستزيل نوعا ما الحدث الذي كان سببا ‏في إزعاجك وتوترك.  وقد تقوم بعد ذلك بفتح ملفات سليمة سابقة في ذاكرتك، فتحدد منها الطرائق الناجحة التي ‏كنت تسلكها في علاج مشاكلك وتنتهجها في التخفيف من غضبك وحنقك، أو تقوم بعملية نسخ لهذه المعلومات ‏والذكريات وتلصقها في الملف الذي الذي يسبب إزعاجك، لتحل محل المعلومات السلبية.  وقد تجد في الملف السابق ‏ما يسرك ويسعدك فتقوم بعملية تغميق للمعلومات السارة، أو التخطيط تحت الأفكار الإيجابية البناءة، كي تبقيها ‏ماثلة أمام عينك حيَة نشطة في نفسك وروحك وعقلك، فتستمد منها المعنويات العالية، والذكريات الحلوة الجميلة، ‏والمشاعر الطيبة التي قد تنسيك مشاعرك السلبية المؤرقة، فإذا ما انتهيت من هذه العملية، ما عليك إلا أن تقوم ‏بحفظها حتى ترجع لها وتستعين بها كلما دعت الحاجة إليها.  وإذا ما استعصى عليك أمر ما في حياتك، فما عليك ‏إلا أن تشغل برنامج إزالة الفايروس ليحدد لك الملف المعطوب وأسبابه، ومن ثم العمل على إزالته أو إصلاحه.  وقد ‏تلجأ إلى حذف الملف كلية من ذاكرتك وتضعه في سلة المهملات، وتفتح ملفا آخر جديدا وتطبع فيه المعلومات ‏السارة والأحداث المفرحة التي مررت بها، أو التي تخطط أن تمر بها؛ وذلك لتحل محل المعلومات المزعجة التي ‏تزعجك وتوترك.  وهكذا استمر في عملية تصفح ذاكرتك وتقييمها، وشطب ما يزعجك من خبراتها، وإدخال ما يسرك ‏من معلومات وخبرات، وتثبيت ما ينفعك، وقم بالنسخ والقص والتغميق والتخطط للأشياء التي تريدها وتهواها إلخ.. ‏من العمليات كما تفعل تماما في حاسوبك، وذلك حتى تحافظ على المعلومات والأخبار والتجارب المفيدة السارة التي ‏تريد، وتتخلص من المعلومات والأخبار والتجارب المزعجة الضارة التي لا تريد، ومن ثم زرع الاتجاهات الإيجابية ‏والأفكار البناءة في نفسك وعقلك، والتخلص من الاتجاهات السلبية والأفكار الهدامة، وبهذه العمليات، تحافظ على ‏نفسيتك سليمة، وروحك جميلة، وأعصابك مرتاحة، وحياتك سعيدة، خالي من الضيق والتوتر الذي يسببه لك بعض ‏الناس الجهلة، سيئي الأخلاق، ضيقي العقل والتفكير، وخاصة وأنت تعيش في عصر أصبح فيه الكذب مباحا، ‏والنفاق شيمة وأخلاقا، وسوء التصرف والاستغلال شرعة ومنهاجا، والحرية تسيبا وانفلاتا.  واعلم عزيزي القارئ أن ‏الذاكرة البشرية بمعلوماتها وتجاربها وخبراتها ما هي إلا حاسوبا ببرامجه ومعلوماته وطرائقه، كلاهما بحاجة إلى ‏غربلة وتقييم، وكلاهما بحاجة إلى شطب وزرع برامج وتحديث، وكلاهما بحاجة لنسخ وقص وزرع وتثبيت، وكلاهما ‏بحاجة إلى صيانة وتجديد، حتى يظلان يعملان بشكل صحيح لا يعيقهما فيروسات إنسان مريض، ولا يؤثر عليهما ‏جو موبوء مريب، ولا يعيق عملهما ملف معطوب رديء.  وما الحاسوب في النهاية إلا صناعة من صناعات ‏الإنسان وابتكار من ابتكاراته، اخترعه على شاكلته، ليفكر بتفكيره، ويتخلق بخلقه، ويقوم بعمله، ويسهل عليه حياته! ‏أليس كذلك، حفظك الله!‏

اخلاء مسؤولية! هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي جامعة النجاح الوطنية

Facebook Comments
السابق «
التالي »
أ.د. أفنان دروزة

كاتبة وأديبة، ومحاضرة في قسم أساليب التدريس والدراسات العليا في كلية التربية/ جامعة النجاح الوطنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.